تداولت صفحات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الأخيرة صورة للأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي وهو يجلس وحيدًا خلف طاولة ندوة صحفية، في غياب واضح لقيادات المكتب التنفيذي أو الإداري للاتحاد.
صورة بدت في ظاهرها عادية، لكنها في عمقها أثارت موجة واسعة من التساؤلات والتأويلات، خاصة في ظل السياق السياسي والاجتماعي الحساس الذي تمر به تونس.
دلالات الغياب… أكثر من مجرد صدفة
في العمل النقابي، نادرًا ما يظهر الأمين العام للاتحاد منفردًا في محطات مفصلية. فالعادة جرت أن تحيط به قيادات الصف الأول، في رسالة وحدة وتماسك.
لكن هذه الصورة، التي يظهر فيها الطبوبي دون أي حضور قيادي إلى جانبه، تفتح الباب أمام قراءة مفادها أن المنظمة تمرّ بمرحلة دقيقة داخليًا، قد تعكس:
تباينات في المواقف داخل القيادة
اختلافًا في طرق إدارة المرحلة
أو حتى رسائل غير مباشرة للداخل والخارج
غياب المكتب الإداري عن الصورة لم يُفسَّر رسميًا، وهو ما زاد من منسوب التأويل.
لغة الجسد والمكان
لغة الجسد في الصورة لا تقل أهمية عن الغياب ذاته.
نور الدين الطبوبي يبدو جالسًا بهدوء، لكن الفراغ المحيط به طاغٍ بصريًا:
كراسٍ فارغة
طاولة طويلة
قاعة شبه صامتة
كلها عناصر تُضخّم الإحساس بالعزلة، حتى وإن كانت العزلة ظرفية. في التحليل البصري، الفراغ ليس حياديًا، بل رسالة.
الاتحاد بين الاستقلالية والضغط
قد يقرأ البعض الصورة من زاوية مغايرة:
وهي أن الطبوبي أراد الظهور بصفته المسؤول الأول، متحملًا لوحده تبعات المرحلة، في رسالة مفادها أن القرار النقابي لا يزال مركزيًا ولم يفقد بوصلته.
غير أن هذا التأويل الإيجابي يصطدم بسياق عام يتسم بـ:
ضغوط سياسية متزايدة
تراجع دور الأجسام الوسيطة
محاولات تحميل الاتحاد مسؤولية الأزمات الاجتماعية
وهو ما يجعل الصورة أقرب إلى مرآة لثقل المرحلة أكثر من كونها مجرد اختيار بروتوكولي.
تفاعل الشارع… الصورة أقوى من البيان
اللافت أن الصورة انتشرت أسرع من أي تصريح، وجرى توظيفها سياسيًا وإعلاميًا على نطاق واسع.
ففي زمن الصورة، لم يعد الخطاب هو الأساس، بل المشهد.
وقد رأى فيها البعض:
دليلاً على اهتزاز داخلي
أو مؤشرًا على عزلة قيادية
أو حتى بداية مرحلة جديدة في علاقة الاتحاد بالسلطة وبالرأي العام
خلاصة: حين تتكلم الصورة
سواء كان غياب قيادات المكتب الإداري مقصودًا أو عارضًا، فإن الصورة نجحت في إيصال رسالة قوية:
الاتحاد العام التونسي للشغل يقف اليوم عند مفترق طرق، ونور الدين الطبوبي في الواجهة، بين ثقل المسؤولية وضغط المرحلة.
إنها صورة تختصر أسئلة أكثر مما تقدّم أجوبة، وتؤكد مرة أخرى أن الصورة السياسية قد تكون أبلغ من ألف خطاب.



