مقدمة الخبر
نفقَت، اليوم، فيلة حديقة البلفيدير بالعاصمة تونس، في حادثة أعادت إلى الواجهة الجدل القديم المتجدد حول ظروف إيواء الحيوانات البرية داخل حدائق الحيوانات، ومدى جاهزية هذه الفضاءات لضمان الحد الأدنى من الرفاه والرعاية الصحية والنفسية لها.
وتُعد هذه الفيلة، المعروفة باسم “بايبي”، الوحيدة من نوعها في الحديقة، بعد أن تم جلبها إلى تونس خلال شهر ماي 2023، منهية سنوات طويلة من غياب هذا الصنف من الحيوانات عن حديقة البلفيدير.
فيلة وحيدة بعد سنوات من الغياب
وصول الفيلة “بايبي” إلى تونس كان قد حظي باهتمام إعلامي واسع، خاصة أنها جاءت كهدية من رجل الأعمال التونسي محمد عطية، في خطوة اعتُبرت آنذاك محاولة لإعادة إحياء حديقة البلفيدير وتعزيز تنوعها الحيواني.
وقد وصلت الفيلة من فرنسا بعد مسيرة طويلة ومعقّدة، تنقّلت خلالها بين السيرك وعروض الترفيه والأفلام، وهو ما جعل وضعها الصحي والنفسي محل تساؤل منذ اللحظة الأولى لوصولها.
مسيرة مليئة بالاستغلال والضغط
بحسب معطيات متداولة من نشطاء في مجال الرفق بالحيوان، فإن الفيلة “بايبي” عاشت سنوات من الاستغلال في العروض التجارية، وهي بيئة لا تتماشى مع الطبيعة البيولوجية للفيلة، المعروفة بحساسيتها العالية واحتياجها لمساحات شاسعة وتفاعل اجتماعي مع أفراد من فصيلتها.
هذا التاريخ أثار مخاوف حقيقية حول قدرتها على التأقلم داخل فضاء محدود مثل حديقة البلفيدير، التي تعاني أصلًا من نقص في الإمكانيات والبنية التحتية، مقارنة بالمعايير الدولية الخاصة بإيواء الحيوانات البرية الضخمة.
جدل متواصل منذ لحظة الوصول
منذ الإعلان عن وصول الفيلة إلى الحديقة، عبّرت جمعيات ونشطاء عن قلقهم إزاء ظروف إيوائها، معتبرين أن الفضاء المتاح لها لا يراعي الخصوصيات البيئية والسلوكية للفيلة، من حيث المساحة، ونوعية الأرضية، والتفاعل الاجتماعي، وحتى البرامج الصحية والغذائية.
كما طُرحت تساؤلات حول جاهزية الإطار البيطري والتقني لمتابعة حالة حيوان بهذا الحجم وبهذه الخصوصية، خاصة في ظل التجارب السابقة المتعلقة بنفوق حيوانات داخل حدائق تونسية.
تداول صور بعد النفوق وانتظار بيان رسمي
عقب نفوق الفيلة، تم تداول صور تُظهر نقل جثتها داخل حديقة البلفيدير، ما أثار موجة من التفاعل والغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث طالب العديد من النشطاء بضرورة فتح تحقيق شفاف للكشف عن أسباب الوفاة.
وحتى لحظة إعداد هذا المقال، لا يزال الرأي العام في انتظار بيان رسمي من الجهات المعنية يوضح الملابسات الدقيقة للحادثة، وما إذا كانت الوفاة طبيعية، أو نتيجة إهمال صحي أو بيئي.
تساؤلات حول الرعاية الصحية والبيئية
أعادت هذه الحادثة طرح أسئلة جوهرية حول:
نوعية الرعاية الصحية التي توفّرت للفيلة
مدى ملاءمة المناخ والفضاء لحيوان بري ضخم
توفر المتابعة البيطرية الدورية
احترام المعايير الدولية لرفاه الحيوانات
ويرى مختصون أن الفيلة من أكثر الحيوانات عرضة للتأثر بالضغط النفسي، وأن العيش في عزلة وضمن فضاءات ضيقة قد يؤدي إلى تدهور صحي سريع.
نقاش متجدد حول أخلاقيات حدائق الحيوانات
لا يُعد نفوق فيلة البلفيدير حادثة معزولة، بل يأتي ضمن سياق أوسع من النقاش العالمي حول أخلاقيات احتجاز الحيوانات البرية داخل حدائق الحيوانات، خاصة تلك التي لا تتوفر على الإمكانيات الكافية لضمان عيش كريم لها.
ويرى المدافعون عن حقوق الحيوان أن هذه الفضاءات، في كثير من الحالات، تتحول إلى أماكن استغلال أو ضغط نفسي وجسدي، بدل أن تكون مراكز حماية أو توعية بيئية.
دعوات لمراجعة السياسات وحماية الحياة البرية
أعقب نفوق الفيلة دعوات متزايدة من نشطاء وجمعيات تطالب بـ:
مراجعة سياسات جلب الحيوانات البرية
تحسين ظروف الإيواء أو إيقافه كليًا
تحويل حدائق الحيوانات إلى مراكز إنقاذ مؤقتة
تعزيز الشفافية والمساءلة
ويؤكد هؤلاء أن حماية الحياة البرية لا تكون عبر عرضها في أقفاص، بل من خلال الحفاظ على مواطنها الطبيعية واحترام احتياجاتها الفطرية.
خاتمة
رحيل فيلة البلفيدير لا يمثّل فقط خسارة حيوان نادر، بل يفتح بابًا واسعًا للتفكير في علاقتنا بالحيوانات البرية، وحدود تدخل الإنسان في حياتها باسم الترفيه أو العرض.
وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات الرسمية، يبقى السؤال الأعمق مطروحًا:
هل نحن مستعدون لمراجعة نظرتنا لحدائق الحيوانات، ووضع رفاه الكائنات الحية فوق أي اعتبارات أخرى؟



