سرّ المشجع الكونغولي الذي ظل رافعا يده في المدارج

في لقطة لافتة، لم يكن اللاعب هو نجم المشهد، بل متفرّج في المدارج. رجل أسود، وسط ضجيج الأعلام والهتافات، اختار أن يخرج عن المألوف. لم يرفع شعار فريق، ولم يصرخ فرحًا أو غضبًا، بل أدّى حركة صامتة، ثقيلة بالدلالات، فتحت باب التأويل على مصراعيه.

كثيرون ربطوا اللقطة بصورة باتريس لومومبا، الزعيم الإفريقي الذي اغتيل لأنه تجرّأ على قول الحقيقة بلا تزيين، ولأنه آمن بأن الاستقلال ليس مجرد علم يُرفع، بل كرامة تُصان. هذا الربط لا يمكن الجزم به كحقيقة مطلقة، لكنه قراءة رمزية مشروعة، خاصة إذا وضعنا اللقطة في سياقها الإفريقي، حيث الذاكرة الجماعية لا تنفصل عن السياسة، ولا عن الجراح المفتوحة للاستعمار.

الحركة، في هذا التأويل، لم تكن استعراضًا ولا بحثًا عن إثارة الجدل، بل فعل تذكير: بأن التاريخ حاضر، وبأن الرموز لا تموت، حتى داخل ملاعب كرة القدم. هي رسالة تقول إن المدرجات ليست دائمًا فضاءً للفرجة فقط، بل قد تتحوّل أحيانًا إلى منبر صامت للذاكرة والاحتجاج الرمزي.

في المقابل، من الضروري التثبّت وعدم السقوط في إسقاطات متسرّعة. فالحركة نفسها قد تحمل معاني مختلفة باختلاف الثقافات والسياقات، وقد تكون مجرّد تعبير شخصي لا يقصد به صاحبها أي رمز سياسي بعينه. لكن قوة الصورة تكمن تحديدًا في هذا الغموض: غموض يوقظ الأسئلة ولا يفرض الأجوبة.

هكذا، تبقى اللقطة مفتوحة على أكثر من قراءة، لكنها في كل الحالات تؤكد حقيقة واحدة: في إفريقيا، حتى كرة القدم لا تنفصل تمامًا عن الذاكرة، ولا عن التاريخ الذي ما زال يطالب بأن يُروى كما كان، لا كما أُريد له أن يكون.

باتريس لومومبا هو أحد أبرز رموز التحرّر في إفريقيا، واسمه ارتبط بالشجاعة، والكرامة، وثمن قول الحقيقة في زمن الاستعمار.

من هو باتريس لومومبا؟

باتريس إيميري لومومبا
📅 ولد: 2 جويلية 1925
📍 البلد: الكونغو الديمقراطية
🏛 المنصب: أول رئيس وزراء للكونغو بعد الاستقلال (1960)

لماذا يُعدّ رمزًا إفريقيًا؟

لومومبا لم يكن سياسيًا تقليديًا، بل صوتًا صادمًا للاستعمار. في يوم استقلال الكونغو عن بلجيكا (30 جوان 1960)، ألقى خطابًا تاريخيًا لم يُجامل فيه المستعمر، وقال علنًا إن الاستقلال لم يكن منحة، بل انتُزع بالنضال والدم والكرامة.

ذلك الخطاب هزّ أوروبا، وأغضب القوى الاستعمارية لأنه:

  • كشف جرائم الاستعمار البلجيكي

  • رفض الوصاية الأجنبية

  • طالب باستقلال حقيقي لا شكلي

كيف قُتل لومومبا؟

بعد أشهر قليلة من الاستقلال:

  • تعرّض لانقلاب سياسي

  • أُطيح به من الحكم

  • اعتُقل وسُلّم لخصومه

  • اغتيل في جانفي 1961

وتؤكد وثائق لاحقة تورّط بلجيكا وقوى غربية في تصفيته، خوفًا من مشروعه التحرّري واستقلال قراره.

لماذا ما زال حيًّا في الذاكرة؟

لأن لومومبا:

  • قُتل شابًا (35 سنة)

  • لم يتراجع عن مواقفه

  • تحوّل إلى رمز للكرامة الإفريقية

  • صار اسمه مرادفًا لـ “الزعيم الذي لم يُساوم”

في إفريقيا، يُذكر لومومبا كـ شهيد الحقيقة، وكدليل على أن الاستقلال السياسي دون سيادة فعلية مجرّد وهم.

لومومبا والرمزية اليوم

عندما يُستحضر اسم لومومبا في المدرجات أو في الشارع أو في الفن:

لومومبا لم يمت…
هو فكرة، وكل فكرة صادقة يصعب اغتيالها.

مقالات ذات صلة