المهندسة نادية بنوري… حين تجتمع كفاءة المهنية بحكمة القائدة الذكية ورحابة المرأة التونسية

ليست كل المسيرات المهنية تُختزل في تواريخ ومناصب، فبعضها يتحول إلى قصة بناء متدرّج، تُنسج خيوطه بين المختبر والمصنع، بين الجامعة والمجتمع، وبين الدقة العلمية ودفء الإنسانية.
تلك هي قصة المهندسة نادية بنوري؛ امرأة صنعت لنفسها مكانة راسخة في عالم الصناعات الغذائية والتغليف وإدارة الجودة، وأثبتت أن الكفاءة النسائية قادرة على قيادة أعقد المنظومات الصناعية بثبات واقتدار.

تكوين علمي صلب… وبصيرة تتجاوز الشهادة

بدأت رحلتها العلمية في المعهد الوطني للعلوم الفلاحية بتونس (INAT)، حيث تلقت تكوينًا هندسيًا متخصصًا في الصناعات الغذائية. غير أن نادية لم تتوقف عند حدود الشهادة، بل واصلت صقل خبرتها عبر سلسلة من الاعتمادات الدولية التي تعكس حرصها على التميز:

  • مدقق داخلي ISO 9001 (نسخة 2018).
  • ISO 19011 وISO 17025.
  • ISO 9001 (نسخة 2018) / ISO 17025.
  • Six Sigma (Yellow Belt).
  • HACCP Trainer معتمد.
  • CNFCPP.
  • Carbon Footprint ISO 14064-1/2/3.
  • ISO 14044 في الإدارة البيئية.
  • تكوين في التغليف الصيدلاني وفق Q1A(R2) وGMP/GLP.
  • تكوين في الذكاء الاصطناعي التوليدي وأساسيات التعلم العميق.

كما خضعت لاختبارات وتقييمات في التفكير التحليلي، إدارة المشاريع، Process-Com، التأثير والإقناع، وحل المشكلات.

هذا المسار لا يعكس فقط حرصها على التطوير، بل يكشف عقلية تؤمن بأن القيادة تبدأ من المعرفة المتجددة.

 

من دقة المختبر إلى إشعاع المؤسسة

PACKTEC (2006 – 2011): المدرسة الأولى للصرامة المهنية

في المركز الفني للتعبئة والتغليف (PACKTEC) بوزارة الصناعة، تولت نادية بنوري مهام مهندسة رئيسية في مخبر الصناعات الغذائية والمشاريع.

هناك، تعاملت مع أجهزة تحليل متقدمة:
GC/FID-ECD، GC/MS، FTIR، HPLC، ICP، DSC، OTR، WVTR، وأجرت اختبارات وفق معايير ISO/ASTM/NT/ICH/GMP.

ساهمت في إعداد ومراجعة مواصفات ISO 15107/7025، وشاركت في عمليات الاعتماد ISO 17025 لمخابر الأغذية والمنتجات الصيدلانية، كما نظمت أكثر من عشر دورات تدريبية سنويًا لفائدة الصناعيين والجامعيين.

في هذه المرحلة، تبلورت شخصيتها المهنية: دقيقة، منهجية، لا تترك تفصيلًا دون تدقيق، وتؤمن بأن الجودة ليست إجراءً بل ثقافة.

 

الأستاذة… حين تتحول الخبرة إلى رسالة

بين 2008 و2012، درّست في المعهد الوطني للعلوم الفلاحية (INAT)، حيث تولت تدريس التكنولوجيا النظرية والتطبيقية للتغليف، وأشرفت على مشاريع التخرج.

كانت قريبة من طلبتها، تؤمن بقدرتهم على الابتكار، وتدفعهم إلى التفكير النقدي وربط النظرية بالممارسة. هنا برز وجهها الإنساني؛ الأستاذة التي تجمع بين الحزم العلمي ورحابة الصدر.

 

هنكل تونس (2011 – 2021)… عقد من القيادة الهادئة

مع توليها منصب R&D Packaging Manager بشركة هنكل تونس بالمهدية، دخلت نادية بنوري مرحلة القيادة الاستراتيجية.

قادت تطوير حلول تغليف للمنتجات المحلية والإقليمية، وأشرفت على مشاريع NPD وEPD، وضمنت الامتثال التنظيمي الكامل. نسّقت بين الجودة والإنتاج وسلاسل التوريد، وأجرت اختبارات التحقق والاستقرار.

تميزت بقدرتها على:

  • إدارة فرق متعددة التخصصات.
  • تحقيق التوازن بين الابتكار وتقليص التكاليف.
  • ضمان الالتزام بالمعايير الدولية.
  • بناء علاقات استراتيجية مع الموردين.

قيادتها لم تكن صاخبة، بل هادئة، متزنة، قائمة على الحوار والثقة. تؤمن بأن الفريق الناجح هو الذي يشعر أفراده بقيمتهم، وأن القرار الرشيد يُبنى على التحليل لا الاندفاع.

 

المرأة… قوة مهنية وإنسانية في آن واحد

في بيئة صناعية يغلب عليها الطابع التقني الصارم، أثبتت نادية بنوري أن المرأة قادرة على الجمع بين:

  • الدقة العلمية.
  • الرؤية الاستراتيجية.
  • الحس الإنساني.
  • الذكاء العاطفي في إدارة الفرق.

هي قيادية بحكمة، تتخذ القرار بثبات، لكن دون أن تفقد إنصاتها للآخرين.
رحبة الصدر، متواضعة، تحترم الجميع، وتتعامل مع الاختلاف بروح بناءة.

 

انفتاح مجتمعي وعمل جمعياتي

لم تحصر نفسها في حدود المصنع أو المختبر. انخرطت في العمل الجمعياتي والمبادرات المجتمعية، مؤمنة بأن المعرفة مسؤولية، وأن المهندس شريك في التنمية.

ساهمت في نشر ثقافة الجودة والسلامة، ودعمت التكوين المستمر، وحرصت على تقريب الخبرة التقنية من المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

هذا البعد المجتمعي أضاف إلى شخصيتها بعدًا إنسانيًا عميقًا، وجعلها نموذجًا للمرأة المهنية المنفتحة على محيطها.

طموح يتجاوز الحاضر

رغم مسيرة غنية، لا تزال نادية بنوري تطمح إلى مزيد من التطوير، خاصة في مجال الاستدامة والذكاء الاصطناعي في الصناعة. ترى أن المستقبل للصناعات النظيفة، الذكية، القائمة على الكفاءة البشرية قبل التكنولوجية.

قيمة نادرة في سوق العمل

أي مؤسسة تبحث عن:

  • قيادة جودة بمعايير دولية.
  • تطوير استراتيجي للتغليف والصناعات الغذائية.
  • إدارة فرق بروح احترافية.
  • توازن بين الصرامة والإنسانية.

ستجد في نادية بنوري قيمة مضافة حقيقية.
هي ليست مجرد مهندسة، بل صورة مشرقة للمرأة القيادية، التي تثبت أن الكفاءة لا جنس لها، وأن الاحترافية حين تقترن بالأخلاق تصنع فرقًا دائمًا.

فن القيادة… حين تتحول المرأة إلى جسر النجاح

في شخصية نادية بنوري يتجسد فن القيادة بمعناه الحقيقي؛ قيادة لا تقوم على السلطة بل على التأثير، ولا تُبنى على الأوامر بل على الثقة المتبادلة. فهي تؤمن أن نجاح أي مشروع صناعي لا يتحقق فقط بالخطط والإجراءات، بل بالقدرة على توحيد الطاقات، وخلق مناخ عمل قائم على الاحترام والتقدير والانضباط.

تتمتع بقبول واسع من مختلف الفرق التي اشتغلت معها، لأنها تجمع بين الحزم المهني والمرونة الإنسانية، بين وضوح الرؤية وحسن الاستماع. تعرف كيف توزع الأدوار بعدل، وكيف تكتشف نقاط القوة في كل فرد، فتُحوّل الفريق إلى منظومة متناغمة تعمل بروح واحدة نحو هدف مشترك.

وجودها على رأس أي مشروع صناعي ليس مجرد إشراف إداري، بل هو عامل استقرار وضمان للنجاح. فهي تُجيد قراءة المخاطر قبل وقوعها، وتتعامل مع التحديات بهدوء وثقة، مما يجعلها جسر العبور من الفكرة إلى التنفيذ، ومن التحدي إلى الإنجاز.

ولهذا تحظى بثقة الإدارة، واحترام الزملاء، وتقدير المتعاونين معها؛ لأن قيادتها مبنية على الكفاءة، ومسنودة بالأخلاق، ومشحونة بطموح كبير لا يعرف حدودًا.

مقالات ذات صلة